المشهد: الأول
أبوجهل : يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا.
الوليد : لماذا؟
أبوجهل : والله يا أبا عبد شمس! ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان بكَ حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد!
الوليد : لقد علمتْ قريشٌ أنّي مِن أكثرها مالًا.
هذا حوار دار بين أبي جهل والوليد بن المغيرة. (كان أبو جهل شديد العداوة للاسلام حيث كان الوليد متردّدًا في موقفه إزاء القرآن الكريم، ولم يتّفق تمامًا مع أبي جهل في العداوة المطلقة للإسلام، وإن كانا شريكين في الكفر)
أغضب أبا جهل حضورُ الوليد ابن المغيرة في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم واستماعه إلى القرآن، لأنّ الوليد قائد، شاعر، ومرغوب عند الناس، و يخشى أبو جهل أن يتّبعه الناس إن تأثّر بالقرآن وعدل عن رأيه ودخل في الاسلام.
فأتى أبوجهل حزينا إلى بيت الوليد، وقال: يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال الوليد: لماذا؟" قال: فقال أبو جهل: والله يا أبا عبد شمس! ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان بكَ حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد! قال الوليد: لقد علمتْ قريشٌ أنّي من أكثرها مالًا. قال أبو جهل: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر وكاره له. قال الوليد: وماذا أقول فيه؟ والله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ منّي. والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. والله، إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه،وإنه ليحطّم ما تحته. قال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه! قال الوليد: دَعْني حتى أفكّر! فرجع أبو جهل.
عندما أدرك أبوجهل أنّ ابن المغيرة لن يقبلَ العروض المالية ، بَحث عن وسائلَ أخرى لإقناعه وصدِّه عن قبول الاسلام. وقال: يا أخي، الأمرُ خطير، فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر وكاره له. قال الوليد: وماذا أقول فيه؟ والله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ منّي. والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. والله، إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه،وإنه ليحطّم ما تحته. قال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه! قال الوليد: دَعْني حتى أفكّر! فرجع أبو جهل.
تأثّر الوليد بالقرآن الكريم حينما سمِع من النبيّ صلى الله عليه وسلم، سورة النحل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ رغم إعجابه بالقرآن، رفض الوليدُ الإسلام خوفًا من زوال مكانته في قومه، حيث كان كبير قريش وسيّدها.
المشهد: الثاني
وقد حضر موسم الحج، فجمع الوليد قريشا، فقال لهم : يا معشر قريش! إنه قد حضر هذا الموسم، وأن وفود العرب ستقدُم عليكم فيه،وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويردّ قولكم بعضه بعضا، فقالوا: ماذا نقول عنه ؟، قال الوليد: قوموا أنتم بتقديم اقتراحاتكم.
اقترح البعض في هذا الاجتماع بوصف النبي ﷺ بأنّه كاهن، لكن الوليد رفض ذلك قائلاً: والله، ليس بكاهن، فقد رأيتُ الكهنة، وما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه.
ثم قالوا: مجنون . فردّ: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، وما هو بخنقه ولا وسوسته.
ثم قالوا: شاعر. فقال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه، رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، فما هو بالشعر، ثم قالوا: ساحر، فقال: "ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم.
ولم يرض الوليد بما عرضوه، ونقضه، فرجعوا إليه وقالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟! قال: إن أقرب القول فيه لأن تقولوا : ساحر جاء بسحر، يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فاتفقوا على هذا الوصف لتحذير الناس من النبي ﷺ.
المشهد: الثالث
في يوم سوق آخر، كانت جماعة من قريش تراقب الوافدين من الخارج، لاحظوا رجلاً قادمًا، دققوا النظر، من هو؟ طفيل! أحد أفراد قبيلة دوس، نعم، طفيل بن عمرو الدوسي ، شاعر مشهور، من أغنياء العرب، أحسّوا أنّ اعتناق طفيل للإسلام سيشكل كارثة اجتماعية، لأنه الشاعر المشهور، شاعر العرب الذي يتبعه الناس، فلا يستمع طفيل لمحمد أبدًا، يجب تحذيره عنه، اجتمعوا حول طفيل وبدأوا يقولون:
يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وقد فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا ، وإنّما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلّمنه ولا تسمعنّ منه شيئا .
نجحتْ نصيحة قريش، أقسم طفيل بن عمرو الدوسي، أنّه لن يرى محمدًا ولن يسمع كلامه، وضع قطعة قماش في أذنه حتّى لا يسمع تلك الكلمات دون أن يشعر.
يقول طفيل قصّته بنفسه عن استماعه لقول قريش ثم عدوله وسماعه من الرسول: قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا، خوفا من أن يبلغني شيء من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا هو قائم يصلّى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إنّي رجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحَسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته، فتبعتُه، فقلتُ : إنّ قومَك قد قالوا لي كذا وكذا ، فعرضت عليه قصة مقدمي، وتخويف الناس إيّاي، وسدّ الأذن بالكرسف، ثم سماع بعض كلام الله، ما أجمل هذا الكلام! ثمّ قلت له: اعرض عليّ أمرك.
يقول طفيل : فعرض عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، وتلا عليّ القرآن ، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه . قال : فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحقّ. ثم رجع طفيلٌ إلى قبيلته ودعاهم إلى الإسلام، فأسلم كثير من الناس.
المشهد: الرابع
عتبة بن ربيعة كان جالسًا مع قريش، والنبي ﷺ كان في المسجد الحرام، لم يكن معه أحد، فقال عتبة لمن حوله: دعوني أذهب إلى محمد وأتحدث معه، سأعرض عليه بعض الأمور، فإن قبل شيئًا منها أعطيناه ما يريد، وبهذا نتخلص من مشكلته. وكان ذلك في وقتٍ أسلم فيه حمزة رضي الله عنه وعدد من كبار قريش، وشعرت قريش أن التراب بدأت تنسحب من تحت الأقدام. فقالوا له: فكرة جيدة، اذهب وتحدث مع محمد. فجاء عتبة إلى النبي ﷺ وقال له: يا ابن أخي... أنت رجل من أسرة كريمة ذات شرف ومكانة، ولكنك جئت إلى قومك بفكرة جديدة، ففرّقت جماعتهم، وكسرت آمالهم، وشتمت آلهتهم، ووصفت آباءهم بالضلال.
دعني أقول لك بعض الأمور، فاسمعها مني جيدًا، وأنا على يقين أنك تقبل بعضا منها إن لم تقبل كلها. فقال له النبي ﷺ: قل ما عندك، فإني مستمع لك. يا بُنيّ، ما الذي تريده من هذه الدعوة الجديدة التي جئت بها؟ إن كنت تريد المال جمعنا لك من أموالنا حتى تصير أغنانا جميعًا، وإن كنت تريد الشرف والمكانة جعلناك سيدنا، فلا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك شعوذة لا تستطيع دفعه عن نفسك، سعينا لك في العلاج، وأنفقنا عليه من أموالنا ما شئت حتى تُشفى.
فقال له النبي ﷺ: أفرغتَ من كلامك؟ قال: نعم. فقال النبي ﷺ: فاسمع منّي ما أقول. ثم تلا رسول الله ﷺ سورة فُصِّلَت، حتى بلغ إلى الآية التي فيها السجدة، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ، فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ. فسجد النبي ﷺ.
وكان عتبة يستمع إلى تلاوة النبي ﷺ بإصغاءٍ تام، وقد شبك يديه خلف ظهره وهو معجب بجمال القرآن. فقال له النبي ﷺ بعد أن فرغ من التلاوة: قد سمعتَ ما تلوته عليك، وهذا هو ما عندي. فالأمر الآن إليكم وإلى قومكم. ثم قام عتبة وانصرف راجعًا إلى قومه.
فلما رأوه مقبلًا، قال بعضهم لبعض: والله، لقد رجع إليكم عتبة بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به! فسألوه بشوق: ما الذي جرى يا أبا الوليد؟ فقال: سمعتُ كلامًا والله ما سمعتُ مثله قطّ. والله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بكهانة.
يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه. فوالله ليكونن لقوله نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، دون أن تخوضوا معه حربًا ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم شرفه شرفكم .
لكن قريش رفضت نصيحته، وقالوا ساخرين: سحرَك محمد بلسانه! فقال: هذا هو رأيي، فافعلوا ما ترونه أنتم. وقد دخل عتبة بعد ذلك في الإسلام.
وليس عجيبًا أن يسحر القرآنُ القلوبَ ببيانه، فقد كان أثره في حياة الناس عظيمًا منذ عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا. ومن بين الذين أسَرتْهم أنوار القرآن في العصر الحديث الموسيقار البريطاني الشهير كات ستيفن، ذلك الفتى الذي سحر العالم بموسيقاه وعزفِه على الغيتار والبيانو، وأشعل حماسَ الجماهير في الحانات والمقاهي وأحياء لندن في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حتى صار نجمًا عالميًا لا يُضاهى.
وفي إحدى رحلاته إلى مراكش بالمغرب، سمع لأول مرّة صوت الأذان يرتفع في الأجواء، فدهش وقال: ما هذا الصوت العجيب؟ فأجابه أحدهم: إنّها موسيقى الله! تلك اللحظة تركت في قلبه أثرًا عميقًا.
وبعد فترة كان في زيارة لكاليفورنيا، أثناء جولته بالبلد نزل في البحر للاستحمام ففاجأته الأمواج وكادت تبتلعه، فصرخ قائلاً: يا ربّ، إن أنقذتني فسأعمل لأجلك! فاستجاب الله دعاءه، ورماه الموج إلى الشاطئ سالمًا.
منذ تلك اللحظة بدأ يبحث عن الحقيقة، درس عن مختلف الأديان والمذاهب ودرس البوذية والزن وآي تشينغ، لكن قلبه لم يجد السكينة. ثم أهداه أزميله ديفيد جوردن في عيد ميلاده نسخة من القرآن الكريم .قرأ قصة النبي يوسف عليه السلام، فأثرت فيه تأثيرًا بالغًا، ورأى فيها النور الذي كان يبحث عنه.
وفي يوم 23 ديسمبر 1977م ، أعلن إسلامه واختار اسم يوسف إسلام بدلًا من كات ستيفن، ليصبح رمزًا للفنّ الهادف والإيمان الصادق. قال يوسف إسلام (كات ستيفنز سابقًا): إنّ القرآن الكريم أكثر جاذبية من الموسيقى، فإنّ لحنه ونغمه وإيقاعه يأسر القلب الإنساني، بطريقة لا يستطيع أيّ فنٍّ آخر أن يفعلها. وكذلك قالت المغنية الأيرلندية الشهيرة شوهَدا دافِت (سينيد أُكونور سابقًا)، التي اعتنقت الإسلام حديثًا: صوت القرآن أجمل وأعمق وقعًا في النفس من أيّ موسيقا في العالم.





